مجموعة من القصص القصيرة جدا
لكاتبها "نواف خلف السنجاری" من العراق
إقطاعي
لم يكن يزعجه انه لا يملك سيارة من بين ملايين السيارات، ولم يحزن يوماً لعدم امتلاكه بيتاً من بين الآف المنازل، ومع إن له زوجة وأطفال.. إلاّ إن أكثر ما كان يحزنه ويحزّ في نفسه حدّ البكاء انه لا يملك شبراً من ارض الوطن.
شرف
حتى هو نفسه لا يعرف عدد الفتيات والعشيقات اللواتي ضاجعهن.. كان يتبجح ويفتخر بمغامراته أمام أصدقائه ضاحكاً فرحاً بفحولته ورجولته.. كيف لا يتباهى؟ وهو الذي مزّق جسد شقيقته بالرصاص لمجرد سماعه أقاويل عنها لطّخت سمعته وشرفه بالعار!!
بائع متجول
لم يبلغ (حمودي) الثانية عشرة من عمره بعد، ومع ذلك كان يحمل صندوقاً مليئاً بالسيكاير وعلب المناديل الورقية وقناني العطر الرخيص، يركض في الشوارع عند التقاطعات وقرب إشارات المرور لعلّه يسد رمقه بهذه المهنة التي تكبره بكثير... وبينما حاول اللحاق بأحد السواق داهمته سيارة يقودها شاب لم يذق في حياته طعم الحرمان... فاختاطت دماء الفتى بتبغ سكاير يفوح منها رائحة عطر رخيص
هجرة
سألت طائرا جميلا يهم بالسفر : لماذا ترحل عن بلدي ؟ فأجاب متحسراً : لقد سئمت أصوات القنابل والرصاص !
قلت متوسلا :أرجوك لا ترحل ..
ولكنه لم يسمع كلامي .
فجلست حزيناً .. ارثي وطناً.. بلا طيور ..!
كاتب
الأول : اعرف كنت تتمنى أن تكون طبيباً تعالج الناس .
الثاني : مع الأسف.. لم تتحقق أمنيتي في دراسة الطب .
الأول : وما هي مهنتك الآن ؟
الثاني : أعالج الناس أيضا ولكن .. بقلمي .
مزاج
قبل إرسال أوراق المحكومين .. اكتشفوا أن احد المتهمين ليس له أي علاقة بالموضوع.. كان على المسؤول أن يوضح الأمر بتقرير .. لكنه لم يفعل لأنه تكاسل من الكتابة ! ومزاجه السيئ هذا تسبب في إعدام إنسان بريء .
تغيير
لم يكن لديه سوى قلم مستعمل، ونصف دفتر يكتب فيه إلهاماته، ليس لديه طاولة حتى، ولكنه كان يملك بحرا ً من الأفكار الخلاقة.. انه يجلس الآن في كرسيه الدوار وعلى مكتبه الفخم بأقلامه الذهبية وأوراقه المعطرة التي تضاهي ألوان الربيع، ويشغل ارفع المناصب.. لكنه عاجز عن كتابة سطر واحد أو ابتكار فكرة أصيلة.
اسم
طلب (نجم) من والده أن يكتب اسمه فوق دفتره المدرسي، فكتب والده: نجم عبد الله حسن.. اعترض الطفل قائلا ً: لماذا تكتب اسمك الكامل (عبد الله حسن) بينما تكتب اسمي (نجم) فقط؟! فاستغرب والده وهو غير مدرك تماماً هل هذا دليل ذكاء.. أم بداية تمرد ؟!
قيلولة
في يوم ربيعي هادئ – على غير العادة – حيث لم نسمع صوت المدفعية منذ الصباح، تمدد صديقي سمير على العشب خارج الموضع وقد بان عليه تعب لم أر مثله على ملامح وجه إنسان من قبل .. تنهد بحسرة وقال : ما أجمل الربيع وما أروع الحياة.. وما أن أنهى هذه الكلمات حتى سقطت بالقرب منا قذيفة مدفع أردته قتيلا لأنه أحب الربيع والحياة .. !
صمتٌ رهیب یکتض ُّ برائحة اللا وجود یردسنی
الی اللا مکان
«اهم ُّ ان اکتبُ لکن یغضِبُ القلم
وتغضِبُ الاوراقُ والدفاترُ الباهتةُ الالوانِ من دوامةِ الروتین فی
متاهة العدم
ومثلُ کل مرةٍ ینتابنی الشعورُ بالندم
تشمُتُ بی کلُّ المفاهیمِ التی اعتنقتها
وکلُّ مفرداتی التی هنا رتَّلتُ اوکتبتُها لک سوی مفردةَ الهزیمة
مفردةٌ قد صاحبتنی فی مضاجع الالم
ولم تزل تنبت فی حقول ذهنی البائرة علامةُ السوءال اثر بطشها
هل تستطیع یاتُری! ان تملاءَ استمارةَ الخیانة
وتترک الامانة القیمة الثمینة
برایةٍ بیضاء
ام تهدی الاناملَ الحمراء والعلم
للوحةِ التاریخ
نعم
قد تَعِبَ القلم
وباتت الاوراقُ باشتیاق
ترنو الی بلورةِ المصداق
مازالت الروایةُ السوداءفی بلادی الصغیر کلَّ لیلةٍ
تبحثُ فی نهایةِ المطاف عن من قد یکون دوره البطل
ینصهر الامل
تبحث عن من یکسر الاوثان والصنم
وکلنا فی حضنها اصنام
یکتمل الشلل
من حقه ان یغضب القلم
من حقها ان تبکی الجمل
لاننی واخوتی وباقة الر فاق
لیس لنا مصداق
اکذوبةٌ تُرافق الفشل
ولیس ابطال کما یقال
لاننا نفتقر الیوم الی النضال
تغرقنی طقوس ظنی والشکوک المولمة
بین مرافیء اللاء الدنیء ها هنا ورحلة النعم
لا
الی لقاء احمر یا سیدی جیفارا(1)
وکل عام سیدی ونحن میتون »
ابوعلاء الافقی
:: يا لها من لوحة:: !
قصة ، من :ماجدة ريان
|
إنها حصّة الفنون! من أجمل الحصص التي ينتظرها الطلاّب بشوق خلال حصص الأسبوع المزدحمة بالأعباء، تأتي هذه الحصة لينزلوا خلالها عن كاهلهم بعضاً من هذه الأعباء المدرسية، إنّها حصة التعبير عن الذات بامتياز. دخلت المعلّمة إلى الصف، تتأبّط لوحة كبيرة بعض الشيء، علّقتها مباشرة على اللوح أمام الطلاّب. استدارت، وقفت وسط الغرفة أمام الطاولات، ألقت التحية، وأخذت ترمق الطلاّب بنظرات مليئة بالإستطلاع، وقد انعكست علامات الإستفهام في أعينهم ووجوههم. يلتفت الواحد منهم إلى الآخر... ثم إلى اللوحة، وبعدها إلى المعلّمة، والحيرة والتساؤل ظاهران في هذه النظرات يرسم بها استفساره: " ما المطلوب يا ترى؟!!... هل تريدنا أن نرسم مثلها؟" وتتوه النظرات في الإبحار في تلك اللوحة مجدداً، في خطوطها وألوانها المتشابكة، أهي أغصان غابة؟ أم بيوت متراصة؟ أم جبال ووديان؟ أم نجوم ومركبات؟ أم ماذا؟؟!!!... " يا لها من لوحة معقّدة! من يستطيع أن يرسم مثلها؟!..." ابتسمت المعلمة وهي تقرأ كل تلك الإشارات على وجوههم، رأوا ابتسامتها العريضة، فانفرجت أساريرهم بانتظار أن تشرح ما تريد. "سأطلب من كل واحد منكم أن يقول لي ماذا يرى في هذه اللوحة، دقّقوا فيها جيداً قبل أن نبدأ الحديث." اتّجهت الأنظار نحو اللوحة مخرجةً من أحداقها وسائط التفحّص والتمحيص، فهذا يشدّ على عينيه كي يستطيع التركيز، وذاك يتمدد في جلسة استرخاء تساعده على التحليل وآخر يحصر رأسه بين كفّيه... وكل له طريقته في التّأمل والتفكير. يا لها من لوحة! تداخلت فيها الخطوط والألوان إلى حد يخلط الرموز بعضها ببعض، وانشغل الجميع بملاحقة خطوطها المتداخلة حتى أفقدهم ذلك جمال النظر إلى اللوحة متكاملة، وكل يبحث عن نقطة انطلاق تناسبه يضمّ إليها باقي الخطوط ليخرج برمز يظن من خلال قصوره أنه يمثل اللوحة، ولا يدري أنه اكتشف الرمز الأقرب إلى ذاته، وينسحب هذا الأمر على الألوان أيضاً، وكلٌ يركّز على لونه المفضّل ويفقد باقي الألوان أهمّيتها. وبدأ حوار ساخن، فأحد لم يرَ ما رآه الآخر، وكل من هؤلاء الطلاب رأى في هذه اللوحة انطباعاً يمثّله... وكان لا بد للمعلّمة أن تبتسم ابتسامة عريضة أخرى عندما سألوها عن رأيها وكان جوابها: " ربما الذي رسمها، رسمها في لحظة ذهول، وهو ذاته لا يدرك الرموز التي احتوتها... إنها لوحة من الحياة! " |
|
ماجدة ريا السبت ـ 17 حزيران 2006 |
* ذات يوم *
القصة من: أم خالد الأهوازية

ذات يوم ذهبنا أنا و أبي و أمي لنتجول في المدينة، و حيث النخيل و بساتين الزهور الجميلة و جو الربيع المنعش... فسألني أبي: كيف ترين البلاد يا ابنتي؟؟... قلت جميلة... ثم قال: صفيها لي يا ابنتي؟؟... نظرت إلى أقصى نقاط النخيل... و قلت: إن بلدي تشبه البعير يا أبي!! فغضب أبي و قال: كيف هان عليكِ ذلك؟؟... فقلت: نعم، إنها تشبه البعير... فالبعير تحمل على ظهورها الذهب و الفضة و الحرير و تزين و تزخرف بشكل جميل... و لكن... نصيبها العشب الجاف... و العطش يا أبي..
:: بقـــايا امرأة ::
قصة ، من : لمياء الحراصي
تك تك .. دقات الساعة الخشبية تعلن عن وجودها .. تخترق الصمت بهدوء .. ملل رتيب ..
هاتف نقال في زاوية الطاولة.. أوراق مبعثرة .. والقلم في يدها ترسم تارة به دوائر وتارة أشياء غريبة وهي شاردة الفكر وتارة خطوط تتحد مع بعضها لتعطي أشكال غير معروفة ..
وببطء شديد بدأ الحزن يتسلل لقلبها المتعب فزاد وجعها واشتدت يدها على القلم لتكمل خربشتها الطفولية على الورقة ...مع ازدياد غضبها زاد حنقها على قلمها وبدأت تخربش بقوة حتى أن القلم اخترق الورقة ومزقها فطفرت الدموع من عينيها بقوة ......
التكملة>>>
« سافرت ذاکرتي نحو متاهات الخیال
واقعاً کانت حکایات لیالینا ام الحلمُ تبنّی الاغتیال
لستُ ادری کیف ینموفی خضم العشق معنی للزوال
وامانینا الی این مضت
ونسینا اشتیاق المفردات
ام افقنا فی ضیاء المحمقات
ودرکنا اننا لسنا سوی موتی علی قید الحیاة
نرتدي الانسان عند الاحتمال
ان یرانا عابرٌ یصغي الی اشعار جیفارا وتغرید جمال
تائهٌ في ظلمتی لکننی لا انتمی عذراً الی حزب الطغاة
وانا حافٍ اسیرُ البصمات
ومحطاتٍ جلسنا بینها نروي جفاءَ الاحتلال
کلماتٌ؛ لافتاتٌ؛ خلّفت شتی المفاهیم ِ بلا ایِّ قتال
*
عندما امضي فریداً ومعي سیجارةٌ بین متاهات ظنوني
التقي بالعبرات
ا نیامٌ نحن ام نامت جمیع الکلمات
ا صخورٌ نحن ام امست امانینا جبال
ا رفاتٌ نحن ام نحن علی قمة مغزی الکائنات
ا سرابٌ هذه الدنیا وکابوسُ حفاةٍ قد مضوا نحو المحال
یا الهي !
قد سئمنا من نفایات السؤال
وسؤالٍ وسؤالٍ وسؤال
وظنونٍ وظنونٍ وظنون
واقعاً ام حلماً ام صحوةً مهما یکون
سوف قد ارسم حتفی بیدي بعد قرون
وانالُ العفو من ربّي بحبٍّ وحنین
وساتأذن منکم یارفاقي والاقي ربنا فی منظر ٍیُبکي ذیول الغاصبین
*
وسؤالٌ لم یزل یقطن فی ذاکرتی
هل انا کنتُ هنا في غرفتی اکتب انهار دموعی
یا تُری
ام انّها کانت نهایات هجوعی
لیلةً تحت اشعات الهلال
لم ازل ابحث فی سخط العدم
ومحطاتٍ جنون ٍ لا یزال
*
ابحثي ماشئتِ عني
واسألی من شئت عنی
لا تنالین جواباً یا دلال !
فرفاقي اتقنوا ایمانهم
احسنوا صنعاً بتفسیر النضال
وان لازلتُ فی قعر الخیال
ابذلُ العمر َ لتدمیر خیوطٍ نسجتها عنکبوتُ الاحتلال ....»
"رمضان كريم"
عيدٌ بأية حال عُدتَ يا عيــدُ بما مضى أمْ لأمرٍ فيه تَجديدُ
أما الأحبة فالبيداءُ دونَهــم فليتَ دونك بيداً دونها بيـدُ
لولا العُلى لم تُجب بي ما أجوبُ بها وجناءُ حرفٍ ولا جرداءُ قيدودُ
وكان أطيب من سـيفي معانقــة أشباه رونقة الغيد الأماليـــدُ
لم يترك الدهرُ من قلبي ولا كبـدي شيئاً تتــيمة عين ولاجيــدُ
يا ساقيي أخمرٌ في كُؤوسكُمـا أمْ في كؤوسكما هَمٌ وتسهيـدُ
أصخرةٌ أنا ما لي لا تحركنـي هذي المدامُ ولا هذي الأغاريـدُ
إذا أردت كُميْتَ اللون صافيـة وَجَدتُها وحبيبُ النفسِ مفقودُ
ماذا لقيتُ من الدنيا وأعجبهُ إني لَما أنا شاكٍ منهُ محسودُ
أمسيتُ أروحَ مثر خازناً و يداً أنـا الغنيَّ وأموالي المواعيدُ
إني نزلت بكذا بيــن ضيـفهــم عن القرى وعن الترحال محدودُ
جود الرجال من الأيدي و جودهـم من اللسان فلا كانوا ولا الجـودُ
ما يقبض الموت نفساً من نفوسهم إلا وفي يده من نتنهــا عـودُ
"ابو طيب المتنبي"
كل سنة و شعبنا بألف خير
أبارك لكم حلول شهر رمضان المبارك
كل سنة و أنتم طيبين
8
- الظلام، السجن... مخيف... مخيف جداً!
- نعم ما قلت... انه يبلع الانسان و الضياء... و عندنا... ها هنا في الضلع الغربي من كتاب التاريخ، يبلع ايضاً... الأطفال!
9
- يُمّا!... يمتى إنروح للبيت...
دموع... تجري على وجنات أم، هي أيضا أحسّت بالملل... تبكي تمتمت...
- "ماني صحت يُمّا أحَّى! چا وين أهلنا... چا وين... چا وين أهلنا"
10
لا ترضخ للواقع... لا توقع في بَراثِنِ سكون جامح... ارفع رأسك... أنت اسطورة... لست كباقي الاساطير تطل من كتاب التاريخ... لا!... أنت هنا لست من زمان خالد و القعقاع... و لا راجع من التاريخ... بل...
- ستصنع تاريخا من جديد...
11
هذا الطفل... سيبعث الانسان... سيكون نبيّ يحمل رسالة الى الأحرار... رائد لكل العشاق... أسطورة مجد و صمود...
وجوه مازالوا يداهمون العاشقين و الساهرين و المجانين... و الصخونة هنا تقطن بجسدي... و طفل مازال يجلس أمامي ينظر بعينيه البريئتين النافذتين...
- سأصفك يا من حَلمتُ بك!
و طرت من الفرحة حين صرخ... "إني أخلعت ثيابي لأكون عاريّاً... أنا أحمل، أكثر من الحقيقة بعرائي، و لا أحتاج لمن يصفني... أنا أسكن بمن يسكنه الانسان!"...أحسست بدفئ تمرّ بي و تطرد البرودة... أردت أن ألمسه و مددت يدي... هنا جالس بقربي رسولّ، عاري، دافئ، قوي، شامخ الهامة، جميل الصورة، يحمل كل الكبرياء... يُرى، يُلمس، يُسمع... ابتسامة عجيبة على شفتيه... انظروه!... اسمعوه!... المسوه!... فالكلمات تحتجزه حين تعجز عن التوصيف.
11
دخان... نار... شبّ في الحي... تشرّدت الطيور... هاجرت العاصفير... إلا عصفور بقي بالقرب من النهر... تحت ظل نخلة يتمشى بعراء.
12
هناك طفل بحضن أمه بقرب أبيه... و هناك العصفور الوحيد... و بالجهة الأخرى العجائز و النيام و عصابات الظلام... و هنا مريض مصاب بحمى يغلق الأبواب و جميع النوافذ، ليلقيّ نفسه على الأرض و يلهث من الألم... تركله الحياة... و تصبح جميع الألوان أحمر... أحمر...
حُمّة الوطن (1)
1
عندما يشتد الظلام... يعوي ذئب... تستمر الحياة في طيف آخر من النور... تتنفس الأرصفة من ثقلها اليومي و تَشتمُ الماشية... يغني العاشق... يا ليل يا هوى!... تخفت جميع الأصوات إلا صوت عصابات الظلام... العاشق، الساهر و المغني، يمسكون الجدار و وجوههم إلى الجدار...
- أطفؤا جميع الأنوار!
الضياء يؤذيهم... تسجن الحياة بالدار و عدة من جدران... الكون يجتمع بعلبة تسمى "الدار"... يشتقّ من الانسان، نيام يمسكهم الفراش... صراصير الظلام... عصابات الظلام... هنا همهمات العجائز... و هناك يصرخ طفل لحضنة أمه... ويسجن معها... طفل يبحث عن حضن امه في جحر بالقرب من زنزانة ابيه.
2
تحت الشجرة... بالقرب من النهر... عصفور هارب من قَدره... عصفور راكضاً يسبُّ الطيور... عصفور نزع ريشه و أستتر بالعراء...
3
الحُمّى... الهذيان... تصاوير الذهنية من الكلمات تتغير... أشكال غير مأنوسة من الأشياء... صخونة تجتاح الجسم... هناك يطير حصانا... هنا عصفور يتمشى بعراء... يتراكض النبض... تنطّ الشرائين... تتسارع الأنفاس... تختل الأعصاب... ينهمك الجسم... عينان مخمورتان... يدور العالم حوله... علبتان من الحبوب... استامينوفن... حبتين تكفي... لا يسمع شيئا و يسلّم نفسه للفراش و يغفو... هو يغفو و ذهنه محتل بالتعابير و وجوه من الانسان... يرقد حزيناً و الوحدة أقرب أنيسا لتلمس أبعاده الخالية من المعنى... ليبحث عن أحلام تكون فحواها السعادة و الأمل.
4
صريخ... يسمع نداء طفله خلف الأبواب... يرتعش جسمه... ينهض يمسك بالجدار... يركض إلى الباب... يحدق من خرق الباب... يسافر مع الضياء لحمل أصوات ابنه برموشه... يفك زحام ذهنه ليسمع كل ما سمح له الكون بأصوات بين حين أو آخر... يدخل دورة دهشة و غضب... يرمي بنفسه على الأرض و يمسك أذنيه بشدة... يا الهي يا الهي!!... هوناًهوناً!!... ما ذنب طفل حين تكتب عليه الحياة أن يسجن بزنزانة بالقرب من نحاب أمه و ندب أبيه.
5
شتائم... كل مايدور على الشفاه... يا أولاد ألف كلب... يا من زنت بكم التأريخ في إحدى ليالي القدر مع ألف كلب... يا وجوه خالية من الانسان... يا أجساد كل ما تحمله خشب، حجر و رماد... يا قتلة راجعين من عصر المغول لصنع قصور من الجماجم و لصنع معلقات من أعيون الأطفال... يا من تتشابهون معا بالرطوبة الدم الذي مبتلّين بها و رائحة النتنة...
6
إني غاضب!...على كوني، على خمودي، و سكوتي على ما جرى... و ما أغضب عليك!
إني سال؟!... بغفوتي عند كل مساء و نزهتي بألبسة مفخفخة... أكاد أن أكره نفسي و أكاد اعدم نفسي مع كل لحظة من اليوم... لا أعلم!... ممكن أهذي!...
- يا عالم... أنا أهذي!
أنا مصاب بحمى... و أرى الأشياء بسيماء نار و رصاص.
7
- فهذه هي ما تسمى عندنا بالحياة... تخالفني الرأي فأريني غيرها...
- تحلى بالصبر... و الوصل جميل... و ما أحلاه
- ايعجبك أن يسجن طفل؟... أترغب أن تمر عليك الحياة بأن ترى طفل مكبّل بزنزانة أمه بالقرب من أنين أبيه؟
- يا من قضيت الليل سهران... أغفو ستكون البكرى أجمل
مبلل بالعرق... أنهض هارب من كابوس كأنما أجتاح الحياة و صنعها كما يريد... أهرب من عصر المغول... أهرب من عصر اللانسانية و عصر السجون... كعصفور يستتر بالعراء...
من مسرحية (خارج السرب) 1999

مسرحية من روائع الكاتب محمد الماغوط يحكي به باللهجة السورية و بنكهته الفكاهية و الدرامية معا عن أوجاع و آلام ما تسمى بمحنة العرب
في نهاية المسرحية يقول عاطف مُستخدَم المسرح : بطل المسرحية
![]()
![]()
معقولة جولييت وهم؟ وروميو وهم؟ وشكسبير وهم؟
والحب والصداقة والزمالة ورفقة المسرح والسفر والمدرسة والطفولة والمعتقلات وهم؟
وثورة الفكر والفن والعلوم، والفلسفة والفلك والرياضيات، والثورة الروسية والثورة الفرنسية وثورة سبارتاكوس وهم؟
وموسيقى بيتهوفن، وأوبرا فاغنر وقصائد لوركا وأراغون وعيون إلزا وهم؟
والتراث والمعاصرة والمتنبي والمنفلوطي، ويوسف وهبي ويوسف الخال ومجلة شعر، والناقد والآداب والأديب، والمعارك الأدبية وهدير المطابع وهم؟
والتاريخ والجغرافيا وجبال الصوان، وبعلبك أنا شمعة على دراجك، وياحرية يا طفلة وحشية، وشوارع القدس العتيقة والحديثة وفيروز والرحابنة وأطفال الحجارة وكهول الحجارة وأزهار غوغان، وسنابل فان كوخ وملائكة روفائيل، والربيع الخريف وكل الفصول والحضارات والفنون والأطفال والعصافير والفراشات بهالعالم وهم؟
وما عاد فيه حقيقة بهالعالم غير اسرائيل والبترول؟
أكيد هي مؤامرة ليجننوني مسرحياً وعاطفياً واقتصادياً، بس أنا ما راح جن، بجنن بلد، لأني أنا مو وهم.. أنا حقيقة وهي إيدي، وهي رجلي، وهادا كتفي، وهادا انفي، وهادا راسي ومؤمن عليه كمان.
وهادا مسرح، وهادا شباك تذاكر، وهَي مكنسة وهاد صرصور وهادا وطن.
يحدّه من الشرق البحر الأبيض المتوسط وجزيرة قبرص وجزيرة مالطا، ومن الغرب المحيط الهندي ومضيق هرمز والطنب الكبرى والطنب الصغرى
ومن الجنوب تركيا والبحر الأسود وبحر قزوين ومضيق البوسفور ومضيق الدردنيل
ومن الشمال كينيا ونيجريا ومنابع نهر النيل ومضيق جبل طارق وبقية افريقيا
وفوق بالسما.. القمر العربي عربسات عم يراقب الرايح والجاي، وتحت الأرض سجون ومعتقلات وزنزانات فردية وجماعية، وغير ذلك من البنى التحتية المعروفة من المحيط إلى الخليج، وكلها من الباطون والاسمنت المسلح، وبواب وشبابيك حديد ما بتمر منها البرغشة، فـ... وين بدها تطير اسرائيل؟ وين؟
(وينتصب على قدميه شامخاً باسماً مرفوع الرأس كجندي نازي في ذروة انتصاراته)



