"رمضان كريم"
عيدٌ بأية حال عُدتَ يا عيــدُ بما مضى أمْ لأمرٍ فيه تَجديدُ
أما الأحبة فالبيداءُ دونَهــم فليتَ دونك بيداً دونها بيـدُ
لولا العُلى لم تُجب بي ما أجوبُ بها وجناءُ حرفٍ ولا جرداءُ قيدودُ
وكان أطيب من سـيفي معانقــة أشباه رونقة الغيد الأماليـــدُ
لم يترك الدهرُ من قلبي ولا كبـدي شيئاً تتــيمة عين ولاجيــدُ
يا ساقيي أخمرٌ في كُؤوسكُمـا أمْ في كؤوسكما هَمٌ وتسهيـدُ
أصخرةٌ أنا ما لي لا تحركنـي هذي المدامُ ولا هذي الأغاريـدُ
إذا أردت كُميْتَ اللون صافيـة وَجَدتُها وحبيبُ النفسِ مفقودُ
ماذا لقيتُ من الدنيا وأعجبهُ إني لَما أنا شاكٍ منهُ محسودُ
أمسيتُ أروحَ مثر خازناً و يداً أنـا الغنيَّ وأموالي المواعيدُ
إني نزلت بكذا بيــن ضيـفهــم عن القرى وعن الترحال محدودُ
جود الرجال من الأيدي و جودهـم من اللسان فلا كانوا ولا الجـودُ
ما يقبض الموت نفساً من نفوسهم إلا وفي يده من نتنهــا عـودُ
"ابو طيب المتنبي"
كل سنة و شعبنا بألف خير
أبارك لكم حلول شهر رمضان المبارك
كل سنة و أنتم طيبين
|
الماغوط: الفرح ليس مهنتي |
رحل الماغوط
انت و البعد و الحزن و الليالي الهالكة عليّ، يزداد الثقل و أنحني ألما لرحلة من اليد الى الفم أو تطال أو تنقص حتى تطير بهيبة دخان و تنتشر في الخلا، المسافة في هذا اليوم أصبحت أكبر و أبعد عن ما كانت به و أنت هنا في وحل الوطن
كان يحمل معه حديقة ملوّنة بألوان الوطن، يزرع فيه السخرية و العذاب، الحب و الكره معا لأن الوطن عنده لا يقبل صيغة من الضمائر، يخونه لكي يحميه، يحتضنها لأن يصبح هو الطفل الظامئ إلى صدر أمه، ينفثه بشكل دخان و يمحيه في الهواء، و... فلايقبل التأنيث و لا يقبل الرجولة و لايرتدي الزمان، فهو الماضي و المضارع معا، عتيق و جديد،
اليوم يا محمد الماغوط،
أغلقت جميع الأبواب لأكون وحدي معاك و مع القلم الأسطوري الذي أحملته، أطفئت المكيّف و أغلقت جميع النوافذ لأشتم رائحة أنفاسك المدفونة بالسجائر و الجثلة الوطن العفنة، أستعريت ليكون رداءي الوحيد "الوطن" و أنا أخاطبك من ستار الكلمات مجردا، أحشوا مسدسي بالكباء و أدعوها ترحل متى تشاء، فأنا هنا لأكتب عنك بكل تجريد و...
يذكرك كلما تركت خلفك هنا المنضذة السجائر تشتاق اليك، الحانوت بالقرب من الدار ينتظر الوقع من خطواتك و هي تشق سكوت الليل، أشتاق اليك الليل الدمشقي و الشوارع و الحفيف الشجر في الحديقة كما يفتقد صوت سعالك أنين الغرفة الخالية "بمليون من الجدران"...
أأزعجك أسوار الحياة الشاهقة أمامك، لكن رحلتك كانت مميزة و دقيقة كانت قروية مثلك و لا تفهم الفلسفة و لا لغات أخرى غير الشعر، كانت بدون صوت و لا صريخ، كانت في الوقت المناسب من نكسة الانسان و من نكسة العرب الخذلان فلا تستحق الإزعاج فأرحل متى تشاء و أرقد بسلام فهناك لا يوجد جلاد يحمل سوطا و لا حدّاد يحمل مطرقة...
اليوم لقد عشت معاك الدهشة و الوحشة و الخوف و الهروب، فالقلم يذكرني بك و سعالي يذكرني بك و أين ما تتصفح من القاموس فالكلمات تهمس بك... قاموس العرب الأن أصبح لا يتجاوز إلا عدة كلمات و لا أكثر، أظافر، معدة، عواء، نباح، سوط، أسوار... جربتها كلها قبل رحيلك...
ارحل يا "طائر الريف" و مازالت كلماتك "أوزة بيضاء" و الأغنيات "بستان من الفستق الأخضر"...
ارحل... "فالفرح ليس مهنتك" و قد تكون أمك الأرض بأنتظارك لتحضنك و تضمك بين ثدييها... و من الآن أنت حر أن تتجول في شوارع الحرية بالعراء حتى و "لو كانت ثلجا"...
ارحل... لعابك أصبح يوما حبرا لكتاباتك و في حين آخر دمك و أنفاسك و كل ما تحمله من رداء الحياة ستكون حبرا و تصرخ بك...
هل خنت وطنك يوما...
و "الماغوط" خانه بكتاب الف مرة، يا ترى أي الأوطان هذه الذي خانها الماغوط أو أي خيانة الذي هو من أفشى بها...
يشرب دموعه من العطش أو يأكل حذائه من الجوع لأجل الوطن و مازال يخونها...
ارحل... بلا جواز، بلا تأشيرة سفر، ارحل بكل اتجاه و متى شئت...
ارحل لا زالت السيجارة تفوه بأقوالك و تخنق العبرات لكي لا تسقط الدموع، كلماتك المدفونة بالعبرات تشطر قلبي و أزيزها بداخلي تشق طريقها للانطلاق
و ارقد بسلام فالوطن بأمان، سوف تتسرب اشلالك و غبار عظامك إلى الهواء النقي بعيدا عن ما يؤذيك من مفهوم الوطن... أو أنمو بشكل أعشاب الضارة أن شئت الحياة مرة أخرى فها هنا الأوطان تحميها جلاوزة لا تحب الورود.
تبقى و مازلت باقي كالنسر شامخا فوق أطلال العرب، و فوق الوطن العتيق ... و مازالت "بلادي تسير كالريح نحو الوراء"...
محمدخالد الأهوازي
أسألني..هل غادر الماغوط من متردم..
وقهوته لا تزال على الاريكة دافئة وسيجارته المشتعلة دوما لم يطفئها الفعل المضارع
بعدببروده القاتل..؟!!
كفى.. قبل ان تغلبني دمعة نافرة ..فتضحك على وتنهرني كعادتك الدمشقية المحببة.
أيها الماغوط..
سلاما اليك..ساخرا..ناثرا..لا زلت بيننا
|
|
محمد الماغوط
طوق الحمامة
من مجموعة "سأخون وطني"
هل يمكن يا حبيبتي أن يقتلني هؤلاء العرب إذا عرفوا في يوم من الأيام أنني لا احب الاالشعر والموسيقى , ولا أتأمل إلا القمر والغيوم الهاربة في كل اتجاه . أو أنني كلما استمعت إلى السيمفونية التاسعة لبيتهوفن اخرج حافيا إلى الطرقات أعانق المارة ودموع الفرح تفيض من عيني . أو أنني كلما قرأت " المركب السكران " لرامبو , اندفع لألقي بكل ما على مائدتي من طعام , وما في خزانتي من ثياب , وما في جيوبي من نقود واوراق ثبوتية من النافذة . .نعم فكل شيء ممكن و محتمل و متوقع من المحيط إلى الخليج ،بل منذ رأيتهم يغدقون الرصاص بلا حساب بين عيني غزال متوسل أدركت أنهم لا يتورعون عن أي شيء. ولكن من أين لهم أن يعرفوا عني مثل هذه الأهواء، و أنا منذ الخمسينات لا أحب الشعر أو الموسيقى أ السحب أو القمر أو الوطن أو الحرية إلا متلصصا آخر الليل، و بعد أن أغلق الأبواب و النوافذ و أتأكد من أن كل المسؤولين العرب من المحيط إلى الخليج قد أووا إلى أسرتهم و أخلدوا للنوم. و لكن إذا صدف و عرفوا ذلك بطريقة أو بأخرى فأكدي لهم يا حبيبتي بأن كل ما سمعوه عني بهذا الخصوص هو محض افتراء و إشاعات مغرضة، وإنني لا أسمع ألا نشرات الأخبار ، و لا اقرأ إلا البلاغات الرسمية . ولا اركض في الشوارع إلا للحاق بمركب التطور . وإنني اقتنع دائما بما لا يقنع واصدق مالا يصدق , ولا اعتبر نفسي اكثر من قدمين على رصيف أو رصيف تحت قدمين . وإذا ما سألوك: أين أذهب أحيانا عند المساء فقولي لهم: أنني أعطي دروسا خصوصية في الوطن العربي في توعية اليائسين و المضللين . وإذا ما بدوت يائسا في بعض الأحيان ، فأكدي لهم أنه يأس إيجابي، و إذا ما أقدمت على الانتحار قريبا فلكي ترتفع روحي المعنوية إلى السماء. و إنني لا اعتبر أن هناك خطرا على الإنسان العربي و الوطن العربي سوى إسرائيل ، و تلك الحفنة من المثقفين و المنظرين العرب الذين ما فتئوا منذ سنين يحاولون إقناعنا في المقاهي و البارات و الندوات و المؤتمرات بأن معركتنا مع العدو هي معركة حضارية و كأنهم ينتظرون من قادته و جنرالاته أن يجلسوا صفا واحدا على كراسيهم الهزازة على الحدود مقابل صف من الكتاب و الشعراء و الفنانين العرب ليبارزوهم قصيدة بقصيدة و مسرحية بمسرحية و لوحة بلوحة و سمفونية بسمفونية و أغنية بأغنية و مسلسلا بمسلسل . لا يا حبيبتي، اركبي أول طائرة و اجتمعي بكل من يعنيهم هذا الأمر في الوطن العربي ، و و حذريهم من الوقوع في مثل هذا الشرك ، أو مثل هذه الدوامة. فصراعنا مع العدو واضح كل الوضوح في مقولة عبد الناصر الشهيرة : " ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة " و الصراع المحتدم الآن بين أكبر دولتين في العالم و أكثرهما غنى بالشعراء و الكتاب و الفنانين، ألا وهما روسيا و أمريكا حول سباق التسلح إلا الدليل القاطع على صحة هذه المقولة. و لذلك ، فأنا ككل عربي ، مستضعف و مستهدف من جميع الجهات ، أتابع هذا السباق باهتمام بالغ، و أتابع بالاهتمام نفسه كل ما يطرأ على عالم الأسلحة من تطور في الشكل و المضمون و الفعالية. و إن كان لا يزال للدبابة بالنسبة لي و لجيل الخمسينات برمته مكانة خاصة في نفوسنا و لا نستطيع بمجرد أن ظهرت أسلحة جديدة أكثر رشاقة و فعالية منها أن ننساها بكل هذه البساطة ، فبيننا و بينها عشرة عمر. و إذا كانت الدول الأقل غنى منا قد وفرت لكل مواطن دبابة واحدة على الأقل . فحري بنا نحن العرب ، و قد وهبنا الله تلك الثروات و الموارد التي لا تنضب ، أن يصبح لكل مواطن عربي في المستقبل لا دبابة واحدة بل خمس دبابات على الأقل : واحدة إلى يمينه . وواحدة إلى يساره. وواحدة أمامه. وواحدة وراءه. وواحدة فوقه. و بذلك يرتاح و يريح .
كتاباتي هذه لإضاعة وقتي و اتمنى أن لا تكون لإضاعة وقت القارئ العزيز ...
منذ فترة أحس بأن ليس من الضروري أن يفصح الانسان عن ما يجري بداخله ليزيد بآلام الناس ويقاسمهم الهموم و عندهم ما يكفيهم من الآلام ...



